إبراهيم عبد القادر المازني
55
رحلة الشام
يحدث على المكان من آثار بل ما يحدث للبر والبحر والسماء والجو والإنسان من جراء ذلك . ونرى ( أبا تمام ) وقد لخص هذا الأمر في حكمته الشهيرة عن ( التجدد ) بالرحلة كما تجدد الشمس بقوله : ولم تعطني الأيام نوما مسكنا * ألذ به إلا بنوم مشرد وطول مقام المرء في الحي مخلق * لديباجتيه فاغترب تتجدد فإني رأيت الشمس زيدت محبة * إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد ( ديوان أبى تمام ج 2 ، ص 23 ) 13 وكأن الحل والحلول ضد طبيعة البشر . وكأن الرحلة هي جوهر الحياة البشرية حتى أن الثبات يخلق وجه الإنسان بين قومه يجعله قديما باليا . وهنا تأتى مقولة أبى تمام والتي تحمل تناقضا بين نصفيها ( فاغترب تتجدد ) حيث يكون التجدد بمعاناة البعد والاغتراب عن أنس الأهل والأحباب كالتجدد الناشئ للشمس من غروبها ، وكالتجدد الناشئ من احتراق طائر العنقاء وتجدد حياته بعد الموت بل بالموت والتناسخ وهذا معناه أن لذة الرحلة لا تقل بل تزيد عن لذة الحلول والاستقرار لأن العربي ( ثم المسلم ) يعتقد - بمنطق التمايز والسيادة والفصاحة - أن الأرض - له - يطوف آفاقها حتى أن رضى ( من الغنيمة بالإياب ) كما عبر - ( امرؤ القيس ) وحتى أن نزل حيث يشاء من البر والبحر بمنطق البشر كما صور ( عمرو بن كلثوم ) ولكنهم - جميعا - يعتقدون أن كل رحل سيعود إلى داره وأهله لأنهم يعون الزمان في شكل دائرى والرحلة في شكل دائرى كالعجلة لابد - إن دارت - أن يعود أولها من أخرها .